خيرالله خيرالله

لم تفاجئ نتائج الأنتخابات النيابية في لبنان ألا أولئك الذين لا يعرفون لبنان واللبنانيين. كرست نتائج الأنتخابات زعامة سعد الدين رفيق الحريري الذي أدار المعركة من ألفها ألى يائها مثبتا أنه زعيم وطني حقيقي يعلو على الطوائف والمذاهب والأنقسامات ذات الطابع الضيق التي ليست سوى نتاج الغرائز.

 
على الصعيد المسيحي، شكّلت نتائج الأنتخابات نهاية لوهم أسمه ميشال عون. انتصر كارلوس أده بكل ما يمثله من مروءة وشهامة وصدق على نقيضه الذي أسمه ميشال عون على الرغم من أن الأخير أحتفظ بمقعده النيابي وعلى الرغم من أن كارلوس لم يصل ألى مجلس النواب.  أنتصر عليه بالنقاط. اثبت كارلوس أده أنه زعيم حقيقي بكل معنى الكلمة وأن اللبنانيين، حتى في كسروان، بدأوا يستوعبون مدى خطورة الخط السياسي الذي يمثله ميشال عون على الكيان وعلى مستقبل الوجود المسيحي في الوطن الصغير. أن مجرد حصول رجل صادق وشريف ومثقف في مستوى كارلوس أده على هذا العدد الكبير من الأصوات في مواجهة مجموعة تمتلك أمكانات مادية هائلة وتتقن لعبة أثارة الغرائز يمثل أنجازا كبيرا على الصعيد الوطني عموما والمسيحي خصوصا. أنها نقطة تحول في أتجاه الأفضل… في أتجاه لبنان دولة المؤسسات حيث لا وجود لقائد سابق للجيش يبرر أغتيال ميليشيا مذهبية لضابط طيار في الجيش أسمه سامر حنا لمجرد أن هذا الضابط حلق بطائرته فوق الأراضي اللبنانية. لاحقت لعنة سامر حنا ميشال عون ألى البترون حيث أستجاب الله لدعوات والدة الضابط الشهيد!

 

أظهر اللبنانيون مرة أخرى من خلال أنتخابات العام 2009 أنهم على أستعداد للذهاب بعيدا في تأكيد أنهم يعرفون كيف الدفاع عن بلدهم. أثبت اللبنانيون في آخر المطاف أنهم افضل من زعمائهم. لذلك لم يخذلوا حركة الرابع عشر من آذار، بغض النظر عن الأخطاء التي أرتكبت في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك التخلي عن رجال صادقين مثل نسيب لحود ومصباح الأحدب ومصطفى علوش وغيرهم والتأخر في تشكيل اللوائح في غير منطقة لبنانية وترك الأمور من دون ضوابط في أماكن أخرى. نزل ألى أقلام الأقتراع في السابع من حزيران- يونيو 2009 أولئك الذين شاركوا في تظاهرة الرابع عشر من شباط- فبراير الماضي في ذكرى أستشهاد رفيق الحريري ورفاقه. كان هناك من يراهن على أن اللبنانيين سينسون رفيق الحريري مع مضي أربع سنوات على أغتياله. كان رهان هؤلاء في الوقت ذاته على أن أهل بيروت والجبل تلقوا درسا في السابع من أيار – مايو 2008 على يد ميليشيا “حزب الله” وأن الدرس سيكون كافيا لأخضاعهم وأذلالهم. كل ما فعله اللبنانيون، وأهل بيروت تحديدا، في السابع من حزيران  كان تأكيد وفائهم لرفيق الحريري ولمدينتهم. عبروا عن ذلك في دائرة بيروت الثالثة حيث صوتوا بكثافة لسعد الدين رفيق الحريري مهندس أنتصار السابع من حزيران على الصعيد الوطني كما صوتوا “زي ما هيّ” لرفاقه، أي لمجموعة خيرة  من اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب، أولئك الذين يؤمنون بلبنان أولا. صوتوا في بيروت الثانية لأخي وصديقي نهاد المشنوق رمز الوطنية والعروبة الصادقة في زمن كثر فيه الدجالون والمزايدون الذين أمتهنوا المتاجرة بالعروبة للنيل من الشرفاء! صوتوا لنايلة جبران تويني من أجل المحافظة على بيروت وطهارة بيروت وعلى رسالة جبران تويني النادم من حيث هو الآن على كل دقيقة صدّق فيها ذلك المشعوذ الذي أراد مجددا الأساءة ألى الأشرفية والرميل والصيفي وكل حي من أحياء بيروت.

الآن وقد طويت صفحة الأنتخابات، من دون أن يعني ذلك طي صفحة الأزمات السياسية العميقة التي يمكن أن يتسبب بها سلاح “حزب الله” وأدواته المحلية المعروفة، بات في الأمكان القول أن كل مافعله اللبنانيون، عبر تجديد ثقتهم بحركة الرابع عشر من آذار، هو حماية أنفسهم ومستقبل أبنائهم. فعلوا كل ما في أستطاعتهم، بطريقة سلمية وحضارية، من أجل تلافي سقوط البلد وأنهياره. حافظوا على الديموقراطية في لبنان وحافظوا على التنوع في مجلس النواب بدل أن يتركوا البرلمان يتحول ألى “مجلس الشعب السوري”… أو ما شابهه.

 

ما حصل يوم الأنتخابات كان فعل مقاومة حقيقيا. أكد اللبنانيون أن الأكثرية الساحقة منهم، خلافا لما يقوله السيد حسن نصرالله ألأمين العام ل”حزب الله” الأيراني ترفض سلاح الحزب الموجه ألى صدور المواطنين الشرفاء والذي لم تعد له وظيفة مختلفة منذ صدور القرار الرقم 1701 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في آب- أغسطس 2006. أنتهى اللبنانيون في الوقت ذاته  من تلك النكتة السمجة التي أسمها الجنرال. تبين، أذا أستثنينا كسروان، أن ميشال عون لا يستطيع أن يربح معركة أنتخابية في أي مكان من لبنان من دون أصوات “حزب الله” وحزب “الطاشناق” الأرمني الذي قيادته موجودة في طهران!

 

ما حصل يوم الأنتخابات كان دفاعا مشروعا عن النفس. كان دفاعا عن ثقافة الحياة. المقاومة ستستمر. لا خيار آخر أمام اللبنانيين في مواجهة من يريد ألغاء الدولة لمصلحة الدويلة التي تشكل رأس جسر على المتوسط للمحور الأيراني- السوري… كل ما عدا ذلك تفاصيل وكلام كبير يستهدف تغطية الجريمة التي ترتكب في حق الوطن الصغير المعرض يوميا لأن يتحول ألى “قاعدة صواريخ أيرانية” تستخدم ورقة تفاوض مع “الشيطان الأكبر” الأميركي و”الشيطان الأصغر” الأسرائيلي على حساب لبنان واللبنانيين وكل ما هو عربي في المنطقة !